معجزات… جن… وعقلانية

universe_wallpaper_hd2

universe_wallpaper_hd2

يشيع بين التيارات والأيدولوجيات المادية المعاصرة، التي تعلي قيمة العلم المادي التجريبي، وبعض التيارات القديمة الجديدة من الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية، مفهوم ما يسمى بالعقلانية المقابلة للخرافة. يمكن إختصار دعوى هذه التيارات بعبارة أو عبارتين، فحواهما أن الإيمان بما يشاهد، وبقوانين الطبيعة، وبالتجربة، هي لب العقلانية. أي إعتقاد بأي أمر غير مشاهد أو غير محسوس أو أمر متجاوز للطبيعة، هو أمر لا عقلاني أو خرافي.

وبالتالي، يصبح الإعتقاد بإمكانية حدوث المعجزات، أو إمكانية وجود الملائكة والجن والشياطين، للأديان بشكل عام، وقصص الدين الإسلامي خاصة مثل الإسراء والمعراج والخوارق، وكل ما يقاربها، خرافات وأساطير لاعقلانية.

لكن ما معنى عقلانية؟ وكيف يمكننا عن نحكم على أمر ما بكونه إعتقادا عقلانيا أم لا؟ هل هناك قواعد محددة لذلك، أم هناك جهة تحددها؟

وبالمحصلة، هل هذه الإعتقادات عقلانية أم لا؟

هذا ما سنتحدث عنه خلال هذه السطور.

الفرق بين الإمكانية والإثبات

هذه المقالة لا تناقش وجود الخالق وعلاقته بالكون وقوانينه فذلك موضوع آخر. سنتحدث عن الإمكانية العقلية لبعض الأمور، أي كون إمكانية وجودها أو حدوثها متسقة مع العقل، وهو أمر يختلف عن إثبات وجودها أو حدوثها وهو ليس هدف هذه المقالة. ويجب التأكيد أن إعتبار الإمكانية العقلية لوجود شيء ما دليلا لوجوده هو مغالطة منطقية.

البجعة السوداء

كيف يضع العلماء أي نظرية؟ فلنفرض عالما يريد أن يدرس طائر البجع، رأى طائرا أبيض، ثم الثاني كان أبيضا، ثم الثالث أبيضا أيضا، ورأى ملايين البجع كلها بيضاء. هذا العالم سيقوم الآن من خلال مشاهداته الكثيرة الآن بوضع فرضية:

طائر البجع أبيض اللون دائما”.

سيقوم هذا العالم بعد ذلك بإختبار صحة نظريته بالبحث عن أنواع مختلفة من البجع، والتأكد من كونها جميعا بيضاء. مع كل طائر أبيض جديد تزيد ثقته بنظريته، ويزيد إعتمادها لدى العلماء كنظرية مثبتة علميا”.

لكن دعونا نطرح التساؤل التالي: بعدما يقوم هذا العالم بدراسة ملايين وحتى مليارات البجعات، هل هذا يعني أن هذه النظرية صحيحة بشكل مطلق؟

الجواب الذي قد يتبادر للذهن أن نعم، لأنها مثبتة علميا”. لكن الحقيقة هي غير ذلك تماما، لأنك تحتاج فقط لبجعة سوداء واحدة، تظهر ولو بعد سنين في أقاصي الأرض، لنقض هذه النظرية تماما.

white_black_swans1

أي أن النظرية لا تثبت بشكل مطلق مهما إستقرأت من نتائج، وتكفي نتيجة واحدة لتخطيء نظرية كاملة.

هذا هو ما يعرف بمشكلة الإستقراء “Problem of Induction” (الإستقراء هو تعميم المشاهدة الخاصة على الحالات العامة، وسنتحدث عنه بعد قليل) وهو متضمَّن في مبدأ التخطيء الخاص بالفيلسوف كارل بوبر “Falsification Principle” (مبدأ التخطيء يدعوا العلماء إلى إختبار نظرياتهم ومحاولة إثبات خطأها، لأن الأدلة المثبتة لا تعني صحة النظرية بشكل مطلق).

بإختصار ملخص ما سبق أن الإثبات العلمي لا يعني أنه إثبات مطلق، والنظرية العلمية تظل معتمدة حتى تأتي قراءة جديدة أو يأتي متغير جديد يعدل النظرية أو يهدمها، ومهمة العلماء الجادين هي محاولة تخطيء نظريتهم وليس إثباتها فقط.

المثال السابق الخاص بالبجع هو مثال واقعي، إذ كان العلماء سابقا يعتقدون أن البجع لابد أن يكون أبيضا، حتى وجدوا نوعا منه أسود اللون. مثال آخر هو نظريات نيوتن للحركة، نظريات نيوتن هي نظريات مثبتة وكانت المعتمدة بشكل مطلق حتى بداية القرن العشرين، ثم أتت التجارب والقراءات في الجانب الكمي “Quantum” و سرعات الضوء، مما أدى إلى إستبدالها بنظرية إينشتاين لتلبية حاجة السرعات الكبيرة، ونظريات الكم للأشياء على المستوى ما دون الذري، وغيرها

لكن ما سبب هذا النقص في العلوم المادية؟

هل النار تحرق؟

لو سألت أي شخص عن الخاصية المميزة للنار، لأجابك بأنها الإحراق. حسنا، ماذا لو أخبرته أنك لمست نارا ولم تحرقك؟ في العادة سنجد أكثر الناس يصفون هذا القول بالجنون، الكذب أو اللاعقلانية. لكن لنفكر للحظة، ما سبب ربطنا المستمر بين النار والإحراق؟ السبب ببساطة أننا كبشر منذ الصغر، كنا نقرب يدنا إلى هذا الشيء المسمى نارا، فنجد شعورا مباشرا بالحرارة والإحتراق. مع تكرار هذه العملية يرتبط في دماغ الطفل الإحتراق مع هذا الضوء المتوهج. أي أننا حكمنا على هذا الإرتباط بحكم العادة”، وهو ما يسمى بالحكم العادي أو الطبيعي في علم الكلام والعقليات الإسلامية.

Fireplace

لندخل لعلاقات أعمق. مثلا لماذا نحكم على الإلكترون أنه سالب، والبروتون موجب، وأن العلاقة بينهما الإنجذاب؟ الجواب هو نفس حكم العادة وإن كان بسبب قراءات علمية، العلماء دائما يجدون هذه الخصائص مرتبطة بهذه المواد، وهذه الإرتباطات يطلق عليها مصطلحات مثل طبيعة المادة” خاصية المادة” قوانين الطبيعة”. نحن لا نحكم عليها إلا لتكرار النتيجة بحكم العادة مرة بعد مرة. نحن دائما نجد هذه العلاقة أو الخاصية فنطلق عليها قانونا.

لكن هل هذا الإرتباط مطلق؟ لو تخيلنا شخصا لم ير في حياته النار، ثم عرضته عليها، ثم سألته ماذا ستشعر إن لمستها. هل سيعرف؟ لو أخرجت إنسانا لم ير الشمس في حياته ثم سألته أستتحرك يمينا أم شمالا مع مرور اليوم، هل ستكون لدي حقيقة كونية أن الشمس تشرق من المشرق وتغرب في المغرب؟ وغير ذلك من الأمثلة.

الجواب هو أن لا، هذه العلاقات علاقات تنشأ بالعادة والتجربة، ويمكن تصور في العقل ضدها أو عدمها. هذه العلاقة يمكن إسقاطها على ما سبق ذكره من مشكلة الإستقراء.

مثلا تخيل أشخاصا في قرية نائية وأخبرتهم أن الإنسان يطير، وقطعة حديد ثقيلة تطفو على الماء، وأنه بالإمكان أن تتوقف الشمس في لحظة ما. في الغالب سيحكمون عليك بالجنون، لكن العلم أنتج الطائرة، والسفينة، وأخبرنا أن حركة الشمس مرتبطة بدوران الأرض وتوقفها وإن كان نظريا سينتج توقف اليوم والشمس بالنسبة لنا.

photo_42_big

إذا هناك فرق بين الحكم العقلي المجرد، وبين الحكم العادي الطبيعي العملي”. عمليا وماديا وطبيعيا، لابد من الإقرار بالعلاقة بين النار والإحراق مثلا، بين القفز والسقوط، بين مرور الزمن وحركة الشمس في السماء، لكن عقليا بشكل مطلق، ليس هناك ما يلزم أن تستمر هذه الحقيقة بشكل مطلق، ليس هناك ما يمنع إنفصال وإتصال وتغير العلاقات والخصائص وإن تكررت سابقا، وليس هناك ما يمنع تغير العادة وإن استمرت لآلاف السنين.

هذا هو مبحث مصادر الحكم في علم العقليات الحكم العقلي والحكم العادي”، وهو أيضا فرع من فروع فلسفة العلم.

لكن ومع ما سبق، قد تقول: أن نفي هذه العلاقات والخصائص والروابط والعادات عقليا لا يعني إلا أن الشخص لم يتعرف عليها ويختبرها، أو أن معلوماته قاصرة، وأن تصور ضدها لا يعني إمكانية وجود ضدها، وأن تكرار العلاقات في الكون دليل كونها قوانين مطلقة. أليس من الواجب عقلا أن تكون الطبيعة وقوانينها مطلقة وغير متغيرة؟

هذا ما سنتحدث عنه بشكل أكبر تاليا.

مشكلة هيوم ووحدة الطبيعة

بالإضافة لعلوم العقليات وعلم الكلام، فلسفة العلم الحديثة تتناول النقطة السابقة أيضا، وأبرز من تكلم فيها الفيلسوف ديفيد هيوم فيما يعرف بمشكلة هيوم”.

تتحدث مشكلة هيوم عن تساؤل مدى عقلانية شخص أخبرك أنه لا يعتقد، أو لا يوقن، أن الشمس ستطلع غدا على سبيل المثال. هذا الشخص لا يؤمن بأن الإستقراء “Induction” مطلق. ماذا نعني بالإستقراء؟ ببساطة أن تأخذ جزء من شيء أو مجموعة معينة، ثم تعمم صفاته على باقي المجموعة. عندما تقول أحمد أسمر البشرة، فلا بد أن أهل بلده سمر البشرة” أو عينة من 2000 شخص في منطقة معينة يحبون مشاهدة التلفاز، إذا كل من في تلك المنطقة يحبون مشاهدة التلفاز”، الشمس أشرقت منذ ملايين السنين إذا هي ستشرق غدا” أو مثلها، فأنت قد قمت بالإستقراء.

1306182 (1)

طبعا الإستقراء هو أساس الأبحاث العلمية وطريقة تعرفنا على العالم، لكن هل الإيمان به مبرر أو مدلل عليه؟

مشكلة هيوم تطرح مفهوم وحدة الطبيعة Uniformity of Nature” بمعنى أنك تؤمن أنك ستسيقظ غدا فتجد قوانين وسنن وعادات الطبيعة مثلما كانت اليوم وأمس إلى بداية التاريخ. عندما تقفز في الهواء فأنت تؤمن بأن وحدة الطبيعة تعني أن قانون الجاذبية سيستمر في العمل، بنفس الطريقة، دائما.

إذا سألت نفسك لماذا تؤمن بذلك، سيكون الجواب على الأغلب أن هذا ما وجدت الكون عليه دائما، وأن وحدة الطبيعة وجدت دائما، إذا هي ستستمر في الوجود. لكن الحجة السابقة وهي حجة الإيمان المادي بشكل عام” فيها مغالطة، إذ أنك تفترض صحة الإستقراء لتثبت الإستقراء، أي تحتوى مغالطة المنطق الدوار (وهي إستخدام الدليل كنتيجة والنتيجة كدليل مثلا: أ تثبت ب و ب تثبت أ).

ما الذي يجعلنا نؤمن بوحدة الطبيعة؟ لا فرار من الإقرار بأنها مسلّمة أو فرضية مزروعة في عقولنا، لكن ألا يمكننا تصور كون الطبيعة فيه ليست ذات قوانين ثابتة؟ بلى. ألا يمكن تصور تغيّر أو إنتفاء قوانين وعلاقات الطبيعة في اللحظة التالية مثلا؟ وما الذي يمنع حدوث مثل ذلك؟

إذا وحدة الطبيعة هي مسلّمة نؤمن بها بشكل غريزي، دون دليل أو إثبات عليها، ومع إحتمال عدم كونها صحيحة بشكل مطلق، وكذلك الإستقراء.

وعليه يكون الإيمان بوحدة مطلقة للطبيعة، أي أن قوانينها وعاداتها مطلقة غير قابلة للتغيير، هو إيمان بفرضية دون دليل. ويكون التسليم بوحدة الطبيعة تسليما عمليا ماديا داخل نطاق حياتنا العملية، وليس داخل نطاق العقليات المطلقة.

الكرة والدائرة

عدد من النظريات الفيزيائية المثيرة في العقود الأخيرة تتحدث عن وجودنا في عالم يحتوى عددا أكبر من الأبعاد مما يمكننا الإحساس به. نحن مخلوقات ثلاثية الأبعاد رباعية إن أضفت لها الزمن، يمكننا الإحساس والتفاعل مع الطول والعرض والإرتفاع. لكن تخيل مخلوقات تعيش في خمس أو سبع أو حتى أحد عشر بعدا!

التيسيراكت Tesseract  هو محاولة لتخيل مكعب رباعي الأبعاد
التيسيراكت Tesseract
هو محاولة لتخيل مكعب رباعي الأبعاد

طبعا لن نستطيع التخيل، لذلك هناك تجربة ذهنية تساعدنا على تخيل ما لا يمكننا تخيله. تصوّر عالما ثنائي الأبعاد عالما كرسمة على ورقة مسطحة، أي عالما لديه طول وعرض فقط، ولا يعرف شيئا عن البعد الثالث الإرتفاع”. يمكنك تخيل مخلوقات ذلك العالم كدوائر ومربعات تتحرك في تلك الورقة. هذه المخلوقات لا يمكنها أن تتخيل مفهوم الإرتفاع، أو مفهوم الكرة والمكعب، وقدرتها فقط على التحرك داخل عالمها بالطول والعرض فقط.

تخيل لو أنك وضعت إصبعك داخل هذا العالم، ماذا سترى مخلوقات هذا العالم؟ سترى مقطعا دائريا يكبر ويصغر وستراه بمنظور عالمها ولن تدرك حقيقته الكلية لأنها لا ترى إلا ذلك المقطع حسب قدرتها تخيل مقطعا من شيء إسطواني كجزرة شرحتها بسكين”. أي أنها سترى إسقاط هذا الجسم ثلاثي الأبعاد على العالم ثنائي الأبعاد. لو كان لدى هذا العالم علماء لفسروا هذا الجسم داخل حدود قواعد عالمهم الدوائر والمربعات، ولنفوا أي إمتداد له خارج هذه الأبعاد.

time2 images (14)

الآن تخيل قلعة حصينة ثنائية الأبعاد في ذلك العالم، لا يمكن لأي دائرة أو مربع أن يدخلها. لكن أنت بمنظورك الثلاثي الأبعاد، يمكنك ببساطة أن تتحرك من أعلى الورقة، ثم تضع إصبعك في منتصف القلعة، وبإمكانك أن تحرك أو تأخذ أو تتفاعل مع أي شيء فيها.

بنفس الطريقة، يمكنك أن تقوم بعمل عملية جراحية لمخلوق الدائرة بسهولة جدا، إذا تمد يدك لتنتزع العضو المراد من أعلى، دون جرح أو فتح من جهة جسمه الثنائي الأبعاد!

أيضا، لو وضعت إصبعك من أعلى على جسم في هذا العالم ثنائي الأبعاد، يمكنك تحريكه يمينا ويسارا دون أن تستطيع مخلوقات ذلك العالم رؤية تأثيرك في البعد الثالث، أي دون تفسير مادي أو علمي داخل نطاق الحس الخاص بهم.

Screenshot from 2015-01-23 13:51:29

الآن تصوّر مخلوقا يعيش في أبعاد أعلى من أبعادنا، يرانا كما نرى نحن عالم الدوائر. يمكنه الدخول والخروج من هذا العالم بسهولة ضمن أبعاده الأخرى، إسقاطات تفاعلاته ستكون ضمن هذا العالم مثل مثال الإصبع”. وستكون قدراته اللامعقولة” كبيرة لدرجة أنه يمكنه أن يقوم بالتأثير على المخلوقات دون أي أثر مادي ثلاثي الأبعاد، لأنه يتدخل من بعده المتجاوز. دخول لأماكن مغلقة، تلاعب بأعضاء الجسم سلبا وإيجابا، السفر بسرعة عن طريق ما يعرف بالثقب الدودي … إلخ.

أي، أن عدم إحساسنا بما هو خارج عالمنا الثلاثي الأبعاد لا يعني عدم إمكانية وجود ما هو خارج نطاق هذا الإحساس. ورؤية حركة أو تفاعل أو ظاهرة داخل عالمنا المحسوس لا يعني أنه ليس لديها أي سبب أو إمتداد أو تأثير من أو إلى ما وراء عالم الحس. عدم الإحساس لا يعني عدم الوجود، وإمكانية الوجود لا تتنافى مع العقل.

تصور هذه الأمور مبهر حقا. طبعا العلم الحديث يؤمن بإمكانية وجود مخلوقات فضائية، وبإمكانية وجود أبعاد أخرى، وإمكانية التأثير والتأثّر بينها عن طريق الجاذبية مثلا. الإمكانية العقلية والرياضية موجودة، وإن لم تثبت بدليل مادي حتى الآن. وكما ذكرنا، نحن نتكلم عن الإمكانية فقط وليس عن الإثبات أو الوجود هنا.

العقلانية والدين

نصل إلى مربط الفرس: هل الإعتقاد بإمكانية حدوث المعجزات ووجود الغيبيات، أمر لا عقلاني؟

تعريف المعجزة الإسلامي هو خرق للعادة أو السنة الطبيعية، أي أنها توقف لأمر إعتدناه أو قانون ألفناه لفترة معينة.

فإذا كان إفتراضنا لوحدة الطبيعة، ولسريان العادات الطبيعية دائما، هو إفتراض لا دليل عليه، وإعتقادنا إياها هو إعتقاد بحكم الخبرة العملية والحياة المادية، فما الذي يمنع عدم إتصال عادة أو قانون بشكل مستمر وأبدي، إذا كان إستقراءنا لها ليس دليلا على مطلقيتها؟ أي ما هو المانع العقلي لخرق القانون وحدوث ما يسمى بالمعجزة غير العادية؟

ولماذا تكون نظريات الأبعاد والسفر بسرعات فائقة وغيرها أمورا مقبولة عقليا وعلميا، لكن مرفوضة كأمر متجاوز للطبيعة والمادة؟ لماذا يمكننا قبول وجود مخلوقات فضائية، وإمكانية وجود تفاعلات أكبر من إطار الحس، ولا يمكننا قبول وجود مخلوقات متجاوزة للمادة أو غيبية مثل الجن أو الملائكة مثلا؟

الجواب هو الإعتقاد بإطّراد قوانين الطبيعة والمادية المطلقة، والإعتقاد بوحدة الطبيعة، وبالإستقراء، وهي فرضيات مسلّمة دون وجود دليل عقلي على مطلقيتها كما أسلفنا. ثم أن هذه الفرضيات عندما تضعها كحقائق ثم تحاكم أي أمر آخر إليها، تكون وقعت في مغالطة الدور العالم مادي ومطلق – إذا لا يوجد شيء متجاوز للمادة – إذا كل شيء غير مادي غير موجود – إذا العالم مادي”.

طبعا سيقول قائل: أن الإعتقاد بإمكانية تغير قوانين الكون وعدم مطلقيتها وتأثير ما هو محسوس، سيؤدي لأناس ثابتين في مكانهم، لا يدرون أيمشون فيثبتون على الأرض أم يطيرون، أم إن كانت ستمطر ذهبا غدا، أو ما إلى ذلك.

وهو كلام سليم في حال سيطرة الأفكار العقلية المجردة على الحياة العملية، وعدم إدراك مجال ونطاق كل مرجعية تفكير. إننا نرمي الكرة لأعلى ونحن ندرك أنها سترجع عمليا، وأننا سنثبت على الأرض ماشين بالجاذبية عمليا، وأن النار ستحرق عمليا، كل ذلك في النطاق العملي المادي، ولكن النطاق العقلي المتجاوز للحس المادي أمر آخر. إن لم يكن هناك فصل، وإن كان كل أمر غير ممكن أو مدرك حسا مستحيل بشكل مطلق، إذا لما تطور العلم ولما إكتشفنا نظريات وأجهزة وإختراعات جعلت أمورا مستحيلة عادةً فيما سبق أمرا مألوفا وممكنا وواقعا في العصر الحديث. لو كان عدم إحساسنا بشيء دليل عدم وجوده، لكان عدم رؤيتنا للبكتيريا والفيروسات دليل عدم وجودها. نحن ندرك إمكانية وجود ألوان تتجاوز ألوان الطيف السبعة، لكن حسّنا لا يمكنه تخيلها إطلاقا، وغيرها

كل نطاق تفكير له مجاله، المستحيل وغير المدرك في نطاق الحس والمادة والعادة لا يعني الإستحالة وعدم الإدراك العقلي المطلق. إدراك نطاق كل تفكير ومرجعيته ونتائجه، تمنع كلّا من الجمود الحياتي العملي، والجمود العقلي الفكري.

وعليه يكون الإعتقاد بعدم إمكانية وجود أمور متجاوزة للحس، وبمطلقية القوانين، وبعدم إمكانية حدوث المعجزات أو وجود كائنات متجاوزة لمجال المحسوس، هي في لبها إعتقادات، لا عقلانية.

11 Comments

  1. صباح/مساء الخير حسين

    This was quite an interesting read, many thanks for putting it together. I am an official fan of this blog now and encourage you to publish more; I think this blog is presenting content of an extreme scarcity in Arab culture and which many people will benefit from.
    I have some comments to make, not necessarily a rebuttal of yours but just further thoughts and arguments down the line. I hope you and readers will find them useful. As I’ve mentioned in previous comments I mean no offense to anybody and respect all beliefs and views regardless of whether I agree with them or not. If anybody finds what I say offensive for any reason then please accept my sincere apology; what follows is meant to be purely academic.

    I’ve put my comments in the file below because the right-to-left orientation of comments is making those in English difficult to read.

    http://tinyurl.com/mfn7axp

  2. omar kh2015/01/24 at 1:50 م 

    تحية طيبة غيث , هل لديك حساب على الفيسبوك او ايميل ؟ الي فهمته من مدونتك أنك تعمل في مجال علم الأعصاب , أود معرفة رأيك فيما يخص أطروحة michel gazaniga فيما يخص ال”Free Will ” ممتن للطفك gtarawneh

  3. gtarawneh

    Thank you for your kind words and comment Gaith, I appreciate it:) Will do my best to write on regular basis inshallah.

    Of course your intellectual comments and feed-backs are always welcomed.

    – You comments are very interesting, and I think we are mostly on the same page here. Let me clarify some points.

    – You are absolutely right, metaphysics can’t be ever proven with the materialistic scientific method, or the empirical way, because it is by definition (beyond the physical world), and the scientific method is by definition (studying and understanding natural phenomenons). So the domain of modern science is the universe, anything other than that is outside of its authority. 

    – Now the problem is not in understanding the previous notion, but in making empirical science the equivalent of rationality and logic. This is the main problem in the modern world. Modern science is based on the “Logical Positivism” philosophy, that rejects anything not measurable as “irrational”. While this philosophy has been criticized greatly logically, it is still the dominant philosophy of modern scientists, and people in general. 

    – Why do I say modern or materialistic science? In the arabic and islamic history science is defined as “What is known”, which includes things that are empirical, and things that are purely logical. Modern science is purely empirical, as mentioned before, and so any unmeasurable argument no matter how logical it is, is not considered a part of “real science”. That is why there is a kind of war between physical scientists and philosophers nowadays.

    – So the scientific method rejects any metaphysical argument, it is true and it should be this way because it is not in its domain. The problem is considering that any argument should be inside its domain, and that any evidence should be measurable and physical. And so in the case of arguments for the metaphysical “which we could talk about in another topic as this article was not meant to prove it,it was meant to show that the possibility of its existence doesn’t contradict rationality” the problem becomes rejecting purely 
    logical arguments because they are not “rational”, which means in reality that they are not “empirical”. 

    Therefore, argument from ignorance occurs because of the rejection of the metaphysical evidence “Logic”, not from the rejection of the possibility of an empirical evidence.

    – So we should differentiate between the physical world, and the abstract logical world. The first is the domain of empirical science, the second is the domain of pure logic, reasoning and philosophy. Using logic to serve empirical science doesn’t imply being a deep logical and philosophical thinker. I read a great analogy for that once, that it is like Stephen Spielberg, he is a great director, one of a kind, any he uses the camera better than most people, however if it is broken then he will be useless against the young technician that will repair it. Logic is a tool, it could be used in many domains, but that doesn’t mean that the one using it is an expert in the tool itself.

    – So in the article what I meant by miracles is the second definition. The thing that I think you got mixed is between the scientific method and pure and abstract logic. So, your second list of things you say are impossible is not completely accurate. You are right about things that contradict themselves or paradoxes “cat with more than 4 legs and less than 2” “1+1=3”. However you mix between these examples “logically unacceptable” and with “physically unacceptable”, like metaphysics and angels. Hume’s problem and the uniformity of nature should shed some light of that, as mentioned in the article. There is a difference between what we can measure or sense, and what we can justify logically and comprehend. Your premise on rejecting these two in the second list is that their definition is contradictory to the physical measurable world. It is true, but that doesn’t mean they can’t be justified rationally or logically. 

    – I think if we clarified the difference between unmeasurable and irrational this will all be clear. For example islamic creed states that a true religion can’t come with anything illogical or irrational. The problem arises as I mentioned before, when we mix rational thinking, and materialistic empirical thinking.

    – Hope I clarified the main point and difference :)

  4. husseinhilmi gtarawneh

    Comments attached in the below.

    http://tinyurl.com/pemnyhx

  5. omar kh  gtarawneh

    أهلاً عمر

    I am unfamiliar with Gazzaniga’s work. The strongest
    arguments I’ve come across in the literature of free will point to a
    non-conventional and very counter-intuitive form of compatibilism which holds
    that determinism is not just compatible but is actually a precondition for free
    will. This requires a thorough explanation which I won’t share here to avoid
    cluttering the main discussion. I don’t own a FB account but would get back to
    you soon if you drop me an email at [email protected].

    اعتذر للرد باللغة الانجليزيه

  6. gtarawneh omar kh

    Email got badly formatted due to text orientation, am pasting it again below
    [email protected]

  7. omar kh2015/01/27 at 5:16 ص 

    gtarawneh omar kh ما في مشكلة بالنسبة لكتابتك بالإنجليزي أنا بواجه صعوبة بالكتابة مش أكثر.. لن أخرج عن موضوع البوست , ولكن أنا مطلع على “التوفيقية ” ورأي أبرز منظريها   daniel dennett  , ولكن ظنت بأنك تعلم بمايكل جازانيجا لأنه عالم أعصاب ولديه طرح مثير للإهتمام فيما يخص حرية الإرادة  .. قد أقوم بمراسلتك مستقبلاً صديقي  , شاكر لطفك :) 
    http://www.youtube.com/watch?v=aGtZek7RPts

    http://www.youtube.com/watch?v=mJKloz2vwlc

    http://www.youtube.com/watch?v=q1fq4qTPSdg

    شكرا حسين على سعة صدرك أرجو منك تقبل إعتذاري ,, وعلى الهامش أظن أنه عليك الإطلاع على الإبستمولوجيا التكوينية عند جان بياجيه و جهود نعوم تشومسكي في اللغة و بعض البنيوية ورح تجد أنه كارل بوبر منضوي تحت نموذج الواحدية المادية  أيضاًَ وإن كان معتدل ( بالنسبة لي أعتقد بأنه أنقذهم ).. في اعتقادي أكبر خطأ للمتدينين أنهم بينجرو للنموذج المادي بينما باستطاعتهم استخدام النموذج الثنائي , إذا كان لك اطلاع على عبد الوهاب المسيري أظن حتفهمني .. خالص الود

  8. omar kh
    شكرا لمرورك وتعليقك. إستخدام الأفكار الصحيحة والمهمة لأي مفكر لا يعني الموافقة على كل مرجعية أو فكرة له. فلو كان مرجعهما أحادي مادي هذا لا يؤثر على ما تم طرحه هنا :)

  9. gtarawneh husseinhilmi

    – I am familiar with apriori and posteriori. I have no objection on:

    “Arguments can neither be measured nor be empirical. Science does not determine the truthfulness of arguments, logic does”. 

    – ” Logic and mathematics are formal systems that involve manipulating strings of symbols and deriving theorems based on pre-defined rules and sets of axioms.”

    What you mention here is only one subset of logic. Mathematical, Digital or Applied logic is a part of “Formal Logic”. There is also “Informal Logic” and they are both a part of the higher concept of “Logic and Reasoning” which includes logical tools, language, relations, causation analysis,fallacies …etc. So when I mention logic, I don’t mean the mathematical one, I mean the broader concept which is the core of human thinking. Not all arguments could be represented in symbolic relations “such in informal logic”.

    – I think you misunderstood my comments, as my whole point was differentiating logic from science :)

    – “(1) If X is metaphysical then X is fundamentally beyond sensory experience/observation (A implies not B)
    (2) I have observed a metaphysical entity (A and B are both true)”

    Here is the thing: Your premise is the assumption: an “Evidence” is only empirical in nature “I have observed a metaphysical entity”. There is no denying that there could be no sensory perception of a metaphysical entity, I never said we will observe a metaphysical entity, but, I never claimed that would be the evidence. An “evidence” would be purely logical, using relations, causation, …etc. No need for any physical evidence, hence no contradiction.

    – Again my article was not about providing evidence of the metaphysical, it was only discussing the logical and rational possibility of them existing. Discussing the possibility is independent of the evidence for existence. And because physical  contradiction is different than logical contradiction, rationally a person should conclude that they could exist.

    – Hope this helped :)

  10. husseinhilmi gtarawneh

    It did, happy to end the discussion at this point :)

    شكراً للتوضيح وسعة الصدر حسين

  11. gtarawneh husseinhilmi

    بل شكرا لمرورك وتعليقاتك المثرية غيث :)

أضف تعليقاً